عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
281
اللباب في علوم الكتاب
الأردن وفلسطين « 1 » قال القاضي « 2 » : والتوفيق بين القولين : أنّ النّهر الممتد من بلد إلى بلد قد يضاف إلى أحد البلدين . وروى الزّمخشريّ أنّ الوقت كان قيظا ، فسلكوا مفازة فسألوا أن يجري اللّه لهم نهرا ، فقال : إنّ اللّه مبتليكم بما اقترحتموه من النّهر . قوله : « إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ » منصوب على الاستثناء ، وفي المستثنى منه وجهان : الصّحيح أنّه الجملة الأولى ، وهي : « فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي » ، والجملة الثانية معترضة بين المستثنى والمستثنى منه وأصلها التّأخير ، وإنّما قدّمت ، لأنها تدلّ عليها الأولى بطريق المفهوم ، فإنّه لمّا قال تعالى : « فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي » ، فهم منه أنّ من لم يشرب فإنّه منه ، فلمّا كانت مدلولا عليها بالمفهوم ، صار الفصل بها كلا فصل . وقال الزمخشريّ : والجملة الثّانية في حكم المتأخّرة ، إلّا أنّها قدّمت للعناية ، كما قدّم « والصّابئون » في قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ [ المائدة : 69 ] . والثاني : أنّه مستثنى من الجملة الثّانية ، وإليه ذهب أبو البقاء « 3 » . قال شهاب الدين : وهذا غير سديد لأنه يؤدّي إلى أنّ المعنى : ومن لم يطعمه فإنّه منّي ، إلّا من اغترف غرفة بيده ؛ فإنه ليس مني ، لأنّ الاستثناء من النّفي إثبات ، ومن الإثبات نفي ، كما هو الصّحيح ، ولكن هذا فاسد في المعنى ؛ لأنهم مفسوح لهم في الاغتراف غرفة واحدة . والاستثناء إذا تعقّب الجمل ، وصلح عوده على كلّ منها هل يختصّ بالأخيرة ، أم لا ؟ خلاف مشهور ، فإن دلّ دليل على اختصاصه بإحدى الجمل عمل به ، والآية من هذا القبيل ، فإنّ المعنى يعود إلى عوده إلى الجملة الأولى ، لا الثّانية لما قرّرناه . وقرأ الحرميّان « 4 » وأبو عمرو : « غرفة » بفتح الغين وكذلك يعقوب وخلف . والباقون بضمها . فقيل : هما بمعنى المصدر ، إلّا أنهما جاءا على غير الصّدر كنبات من أنبت ، ولو جاء على الصّدر لقيل : اغترافا . وقيل : هما بمعنى المغترف كالأكل بمعنى المأكول . وقيل : المفتوح مصدر قصد به الدّلالة على الوحدة ، فإنّ « فعلة » يدلّ على المرّة الواحدة ، ومثله الأكلة يقال فلان يأكل بالنهار أكلة واحدة والمضموم بمعنى المفعول ، فحيث جعلتهما مصدرا فالمفعول [ محذوف ، تقديره : إلّا من اغترف ماء ، وحيث جعلتهما بمعنى المفعول ] كانا مفعولا به ، فلا يحتاج إلى تقدير مفعول . ويدل على الشّيء القليل الّذي يحصل بالكفّ كاللّقمة والحسوة والخطوة بالضم ،
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 340 ) عن قتادة والربيع . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 153 . ( 3 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 104 . ( 4 ) انظر : السبعة 187 ، والحجة 2 / 350 ، 351 ، وحجة القراءات 140 ، وشرح الطيبة 4 / 113 ، وشرح شعلة 294 ، والعنوان 74 ، وإتحاف 1 / 445 .